فصل: (الرحمن: الآيات 62- 69):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ومن بمعنى بعض على طريقة الزمخشري، أي: وبعض الأفنان لهوت، أي: تمتعت به. والجمهور يجعلون نحو هذا مما حذف فيه الموصوف، كقولهم: منا ظعن ومنا أقام، لتقدم مجرور يدل عليه، فمن كل: خبر مقدم، ولهوت: صفة لمحذوف مبتدأ مؤخر، أي: صنف لهوت به، لكن المعنى على الاخبار باللهو، فلابد من المصير إلى رأى الزمخشري. أو جعل الجار والمجرور صفة للمبتدإ، ولهوت خبرا وإن لم يتقدم المجرور على الصفة. ويجوز أن {من كل} معمول لمحذوف يفسره المذكور، أي: تمنعت من كل الأفنان لهوت به، والواو للحال، أي: والحال أن العيش أخضر، أي رطب لين ناضر حسن، نشبه العش بروض يافع. والخضرة تخييل.
{فِيهِنَّ} في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى. أو في الجنتين، لاشتمالهما على أماكن وقصور ومجالس {قاصِراتُ الطَّرْفِ} نساء قصرن أبصارهنّ على أزواجهنّ: لا ينظرن إلى غيرهم. لم يطمث الإنسيات منهنّ أحد من الإنس، ولا الجنيات أحد من الحن وهذا دليل على أنّ الجن يطمثون كما يطمث الإنس، وقرئ: {لم يطمثهنّ}، بضم الميم. قيل: هنّ في صفاء الياقوت وبياض المرجان وصغار الدر: أنصع بياضا. قيل: إنّ الحوراء تلبس سبعين حلة، فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء {هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ} في العمل {إِلَّا الْإِحْسانُ} في الثواب. وعن محمد بن الحنفية: هي مسجلة للبر والفاجر. أي: مرسلة، يعنى: أنّ كل من أحسن أحسن إليه، وكل من أساء أسيء إليه.

.[الرحمن: الآيات 62- 69]:

{وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (62) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (63) مُدْهامَّتانِ (64) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (65) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (66) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (67) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (69)}.
{وَمِنْ دُونِهِما} ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين {جَنَّتانِ} لمن دونهم من أصحاب اليمين {مُدْهامَّتانِ} قد ادهامّتا من شدّة الخضرة ضَّاخَتانِ فوّارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح، لأنّ النضح غير معجمة مثل الرش، فإن قلت: لم عطف النخل والرمان على الفاكهة وهما منها؟ قلت: اختصاصا لهما وبيانا لفضلهما، كأنهما لما لهما من المزية جنسان آخران، كقوله تعالى: {وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ} أو لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا للتفكه. ومنه قال أبو حنيفة رحمه اللّه: إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا: لم يحنث، وخالفه صاحب اهـ.

.[الرحمن: الآيات 70- 78]:

{فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (70) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (71) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (72) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (76) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (77) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (78)}.
{خَيْراتٌ} خيرات فخففت، كقوله عليه السلام: «هينون لينون» وأما (خير) الذي هو بمعنى أخير، فلا يقال فيه خيرون ولا خيرات. وقرئ: {خيرات} على الأصل. والمعنى: فاضلات الأخلاق حسان الخلق {مَقْصُوراتٌ} قصرن في خدورهنّ. يقال: امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة مخدرة. وقيل: إنّ الخيمة من خيامهنّ درّة مجوّفة {قَبْلَهُمْ} قبل أصحاب الجنتين، دل عليهم ذكر الجنتين {مُتَّكِئِينَ} نصب على الاختصاص. والرفرف: ضرب من البسط. وقيل البسط وقيل الوسائد، وقيل كل ثوب عريض رفرف. ويقال لأطراف البسط وفضول الفسطاط: رفارف. ورفرف السحاب: هيدبه والعبقري: منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه بلد الجن، فينسبون إليه كل شيء عجيب. وقرئ: {رفارف خضر} بضمتين. و{عباقرى}، كمدائى: نسبة إلى عباقرى في اسم البلد: وروى ابو حاتم: عباقرى، بفتح القاف ومنع الصرف، وهذا لا وجه لصحته. فإن قلت: كيف تقاصرت صفات هاتين الجنتين عن الأوليين حتى قيل: {ومن دونهما}؟
قلت: {مدهامّتان}، دون {ذواتا أفنان}. و{نضاختان} دون: {تجريان}. و{فاكهة} دون: {كل فاكهة}.
وكذلك صفة الحور والمتكأ. وقرئ: {ذو الجلال} صفة للاسم.
عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة الرحمن أدّى شكر ما أنعم اللّه عليه». اهـ.

.قال الماوردي:

قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ} فيه قولان:
أحدهما: أنه اسم ممنوع لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، قاله الحسن، وقطرب.
الثاني: أنه فاتحة ثلاث سور إذا جمعن كن اسمًا من أسماء الله تعالى: {الر} و{حم} و{ن} فيكون مجموع هذه {الرَّحْمَنُ}، قاله سعيد بن جبير، وابن عباس.
{عَلَّمَ الْقُرْءانَ} فيه وجهان:
أحدهما: علمه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أداه إلى جميع الناس.
الثاني: سهل تعلمه على جميع الناس.
{خَلَقَ الإِنسَانَ} فيه قولان:
أحدهما: يعني آدم، قاله الحسن وقتادة.
الثاني: أنه أراد جميع الناس وإن كان بلفظ واحد، وهو قول الأكثرين.
{عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} لأنه بالبيان فُضِّل على جميع الحيوان، وفيه ستة تأويلات:
أحدها: أن البيان الحلال والحرام، قاله قتادة.
الثاني: الخير والشر، قاله الضحاك، والربيع بن أنس.
الثالث: المنطق والكلام، قاله الحسن.
الرابع: الخط، وهو مأثور.
الخامس: الهداية، قاله ابن جريج.
السادس: العقل لأن بيان اللسان مترجم عنه.
ويحتمل سابعًا: أن يكون البيان ما اشتمل على أمرين: إبانة ما في نفسه ومعرفة ما بين له.
وقول ثامن لبعض أصحاب الخواطر: خلق الإنسان جاهلًا به، فعلمه السبيل إليه.
{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} فيه خمسة أوجه:
أحدها: يعني بحساب، قاله ابن عباس، والحسبان مصدر الحساب، وقيل: جمعه.
الثاني: معنى الحسبان هذه آجالها، فإذا انقضى الأجل كانت القيامة، قاله السدي.
الثالث: أنه يقدر بهما الزمان لامتياز النهار بالشمس والليل بالقمر ولو استمر أحدهما فكان الزمان ليلًا كله أو نهارًا كله لما عرف قدر الزمان، قاله ابن زيد.
الرابع: يدوران، وقيل إنهما يدوران في مثل قطب الرحى، قاله مجاهد.
الخامس: معناه يجريان بقدر.
{وَالنَّجْمُ وَالْشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} في النجم قولان:
أحدهما: نجم السماء، وهو موحد والمراد به جميع النجوم، قاله مجاهد.
الثاني: أن النجم النبات الذي قد نجم في الأرض وانبسط فيها، ليس له ساق، والشجر ما كان على ساق، قاله ابن عباس.
وفي سجودهما خمسة أقاويل:
أحدها: هو سجود ظلهما، قاله الضحاك. الثاني: هو ما فيهما من الصنعة والقدرة التي توجب السجود والخضوع، قاله ابن بحر.
الثالث: أن سجودهما دوران الظل معهما، كما قال تعالى: {يتفيأ ظلاله}، قاله الزجاج.
الرابع: أن سجود النجم أفوله، وسجود الشجر إمكان الإجتناء لثمارها.
الخامس: أن سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا أشرقت ثم يميلان معها إذا انكسر الفيء، قاله الفراء.
{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا} يعني على الأرض.
{وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه الميزان ذو اللسان ليتناصف به الناس في الحقوق، قاله الضحاك.
الثاني: أن الميزان الحكم.
الثالث: قاله قتادة، ومجاهد، والسدي: أنه العدل، ومنه قول حسان:
ويثرب تعلم أنا بها ** إذا التبس الأمر ميزانها

{أَلاَّ تَطْغُواْ فِي الْمِيزَانِ} وفي الميزان ما ذكرناه من الأقاويل:
أحدها: أنه العدل وطغيانه الجور، قاله مجاهد.
الثاني: أنه ميزان الأشياء الموزونات وطغيانه البخس، قاله مقاتل، وقال ابن عباس: يا معشر الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم: المكيال والميزان.
الثالث: أنه الحكم، وطغيانه التحريف.
{وَأقِيمُواْ الْوَزْنَ بَالْقِسْطِ} أي بالعدل، قال مجاهد: القسط: العدل.
{وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ} أي لا تنقصوه بالبخس قيل: إنه المقدار: فالجور إن قيل: إنه العدل، والتحريف إن قيل: الحكم.
وفي وجه رابع: أنه ميزان حسناتكم يوم القيامة.
{وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} أي بسطها ووطأها للأنام ليستقروا عليها ويقتاتوا منها.
وفي الأنام ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهم الناس، قاله ابن عباس، وفيه قول بعض الشعراء في رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مبارك الوجه يستسقى الغمام به ** ما في الأنام له عدل ولا خطر

الثاني: أن الأنام الإنس والجن، قاله الحسن.
الثالث: أن الأنام جميع الخلق من كل ذي روح، قاله مجاهد، وقتادة والسدي، سمي بذلك لأنه ينام، قال الشاعر:
جاد الإله أبا الوليد ورهطه ** رب الأنام وخصه بسلام

{فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكمَامِ} فيه أربعة أقاويل:
أحدها: أن ذات الأكمام النخل، وأكمامها ليفها الذي في أعناقها، قاله الحسن.
الثاني: أنه رقبة النخل التي تكمم فيه طلعًا، ومنه قول الشاعر:
وذات أثارة أكلت عليها ** نباتًا في أكمتة قفار

الثالث: أنه الطلع المكمم الذي هو كمام الثمرة، قاله ابن زيد.
الرابع: أن معنى ذات الأكمام أي ذوات فضول على كل شيء، قاله ابن عباس.
{وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالْرَّيْحَانُ} أما الحب فهو كل حب خرج من أكمامها كالبر والشعير.
وأما العصف ففيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: تبن الزرع وورقه الذي تعصفه الريح، قاله ابن عباس.
الثاني: أنه الزرع إذا اصفر ويبس.
الثالث: أنه حب المأكول منه، قاله الضحاك، كما قال تعالى: {كَعَصْفٍ مَأكُولٍ}.
وأما الريحان ففيه خمسة أوجه:
أحدها: أنه الرزق، قاله مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، والعرب تقول: خرجنا نطلب ريحان الله أي رزقه، ويقال سبحانك وريحانك أي رزقك، وقال النمر بن تولب:
سلام الإله وريحانه ** ورخيته وسماء درر

قاله الضحاك، ورخيته هي لغة حِمْيَر.
الثاني: أن الريحان الزرع الأخضر الذي لم يسنبل، قاله ابن عباس.
الثالث: أنه الريحان الذي يشم، قاله الحسن، والضحاك، وابن زيد.
الرابع: أن العصف الورق الذي لا يؤكل والريحان هو الحب المأكول، قاله الكلبي.
{فَبِأَيِّ ءَالاءِ رَبِّكُمْا تُكّذِّبَانِ} في الآلاء قولان: